“حزب الله” يراه في المقاومة و«المستقبل»
بالتكامل العربي والكتائب تستوحي الميثاق
الحياد في منظور القوى اللبنانية:
التاريخ والجغرافيا والأسئلة الصعبة!
|
||||||||||
مارلين خليفة
إختراق التوافق اللبناني من قبل
المحاور الإقليمية يحتّم البحث عن إيجاد وضع قانوني للبنان يضع حداً للتدخلات الخارجية
في شؤونه والتي أوصلته حدّ الانهيار. كثر من المفكرين والسياسيين اللبنانيين توصلوا الى نتيجة تفيد
بأن مصير لبنان الدولة يرتبط بتحقيق حياده.
لكن كيف؟ وما هي المبررات التاريخية لذلك؟ وما الفارق بين حياد لبنان وتحييده؟ وبين الحياد
والحياد الإيجابي؟ وهل من الممكن للبنان أن يستلهم تجربة سويسرا التي تغلبت على الخلافات التاريخية بين
الجرمان والإفرنج والطليان والرومانتس،
وقفزت فوق الصراعات المذهبية بين البروتستانتية والكاثوليكية وحروبهما الدينية؟ وهل سيسقط
لبنان على أبواب المحاور المتصارعة؟
«ليس التحييد خياراً فئوياً إنه قدر تاريخي»، هكذا يقول مؤيدو الحياد ويسوقون حجّة من التاريخ بأن كل دول العالم التي تشكّل دولاً حاجزاً كما لبنان، لم يأت استقرارها إلا عن طريق الحياد أو التحييد. تفتح «السفير» ملف الحياد وتعود الى جذور الفكرة وأهميتها مستفتية توجهات الأفرقاء اللبنانيين الرئيسيين في هذا الموضوع. أساس الفكرة تعود فكرة الحياد في لبنان إلى ما يسميه الباحث في الشؤون الإستراتيجية الدكتور نبيل خليفة إلى «الذكاء الديبلوماسي البريطاني». طبّقت الخارجية البريطانية عام 1920 نظرية الحياد في عدد من البلدان منها: بين كمبوديا وفييتنام وأفغانستان التي أنشأتها الإمبراطورية البريطانية، خصيصاً في القرن التاسع عشر لتكون «دولة حاجزاً» بينها في الهند وبين الإمبراطورية الروسيّة. تلعب «الدولة الحاجز» أو Etat t دور العازل وتمنع الاحتكاك بين الدول المتصارعة. أدرك الإنكليز أن لبنان هو «دولة عازلة» بين نفوذهم ونفوذ فرنسا أي بين سوريا ولبنان وبين فلسطين وشرق الأردن والعراق، «أرادوا أن يكون الحيّز اللبناني الواقع تحت الانتداب الفرنسي محايداً فيما أراد الفرنسيون العكس»، كما يروي الدكتور نبيل خليفة. قدّمت الخارجية البريطانية مشروعاً لحياد لبنان الى مجلس الإدارة وافق عليه 7 من أعضائه بمن فيهم شقيق البطريرك الياس الحويك، وورد في المشروع بأن «يتبع لبنان الحياد السياسي، بحيث لا يحارب ولا يحارب ويكون بمعزل عن كلّ تدخّل حربي»، وورد في نقطة ثانية: «إعادة المسلوخ من لبنان سابقاً»، ثم «دراسة المسائل الاقتصادية مع سوريا بواسطة لجنة مشتركة» (بحسب ما ورد في كتاب يوسف السودا «في سبيل الاستقلال»). وافقت أكثرية أعضاء مجلس الإدارة على المشروع فما كان من الفرنسيين إلا أن نفوا الموقّعين وبينهم شقيق البطريرك الحويك الى جزيرة كورسيكا. هكذا باءت تجربة طلب حياد لبنان الأولى بالفشل، «لكن أهميتها التاريخية كبيرة إذ أنّ الدعوة لتحييد لبنان جاءت تحديداً في 10 تموز عام 1920 أي قبل أن يعلن الجنرال غورو استقلاله السياسي في 31 آب عام 1920 «ما يشير الى أن منطق الحياد لم يخترعه حزب لبناني بحدّ ذاته بل يدخل ضمن علم الجغرافيا السياسية للمنطقة»، بحسب قول خليفة. شواهد ضدّ الحياد حوادث مضادّة عدّة للحياد يسردها التاريخ اللبناني تتأتى من الطبيعة المختلفة للدولة المستقلة والتابعة والمحيّدة. مرّ لبنان بحالات تبعية منذ عام 1936 عندما طلبت الدولة الفرنسية المنتدبة منه أن يوقع معاهدة تجعله تابعاً لسياستها، ثم جاء مشروع أيزنهاور عام 1956 الذي أراد اتباع لبنان للاستراتيجية الأميركية والذي تحوّل الى حلف بغداد، ولما وقعت الثورة في العراق أرسل الأميركيون قواتهم الى لبنان. يشرح نبيل خليفة: «أي دولة قوية مسيطرة تمنع الحياد، لأنه لا يمكّنها من السيطرة على البلد». في أعوام 1959 و1960 و1961 نادى من فكروا بالحياد بعدم التحرك لا لمصلحة مصر عبد الناصر ولا لمصلحة أميركا، وأكثر من تحمس للحياد في تلك المرحلة كان الحزب الشيوعي اللبناني، لأنه لم يرد أن يقع لبنان تحت السيطرة الأميركية، على الرغم من وجوده كحزب في المحور السوفياتي. في أواخر الخمسينيات والستينيات ازدادت طروحات الحياد، لأن الصراع اتضح بين المشروعين الأميركي والمصري، قبل أن يتفقا في ما بعد وينتخب العماد فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية. فرضت الثورة الفلسطينية على لبنان عام 1969 اتفاق القاهرة مما شكّل عاملاً مضاداً إضافياً للحياد، وبعد عام على اجتياحها للبنان حاولت إسرائيل فرض اتفاقية 17 أيار عبر النفوذ العسكري وفشلت. عام 1991 عبّر السوريون عن نفوذهم القوي في لبنان عبر توقيع معاهدة التنسيق والتعاون. مَن يفشل في لبنان يطلب حياده! الواقع أن كل من هو قوي على الساحة اللبنانية يريد أن يكون لبنان تابعاً له وغير محيّد، كما يعلّق الدكتور نبيل خليفة الذي طرح هذه الفكرة في حزب الكتائب منذ نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات ودافع عنها، وهو مؤلف كتاب «لبنان والخيار الرابع: الحياد أو التحييد»، الصادر عام 1984: «الحياد يناقض مصالح الدول المسيطرة. التجارب كلّها تظهر بأن كل القوى التي تخرج من لبنان تطلب حياده، لأنه لا يعود بمقدورها السيطرة على الحيّز اللبناني، فتطالب بالحياد كي لا يكون البلد تحت سلطة سواها». سوريا بنظر الدكتور خليفة «لن تقبل يوماً بحياد لبنان، لأن السيطرة على الأخير هو خيار استراتيجي بالنسبة إليها». يسوق الدكتور خليفة هذا المثل عن دقة السوريين في هذا الشأن: «في المؤتمرات الدولية كلّها، ومنها في جنيف ولوزان كان نائب الرئيس السوري سابقا عبد الحليم خدّام يصرّ على أن يتضمّن أي نص عبارة «على أن يلتزم لبنان جميع مواثيق الجامعة العربية»، وذلك بغية منع الحياد، ولأن أحد مواثيق الجامعة هو ميثاق الدفاع العربي المشترك الموضوع عام 1952 ما يبقي لبنان ضمن حلف عسكري عربي». ماذا يعني الحياد كما يطرحه مفكّرون لبنانيون؟ عبّر أحد أبرز وزراء الخارجية في العهد الاستقلالي الأول فيليب تقلا عن أهمية فكرة الحياد اللبناني التي كانت أيضاً وحياً للميثاق الوطني بمعنى أن: «لبنان دولة عربية، إذا اتفق العرب تؤيدهم وإذا اختلفوا تقف على الحياد، وكذلك الرئيس شارل حلو الذي طرح فكرة «حياد قانوني دائم للبنان»، أثناء الوصاية السورية حصل أنه إذا اختلفت سوريا مع العرب اعتبرنا جزءاً منها، ولم يكن من الممكن الوقوف على الحياد، ولا يزال هذا الواقع قائما. تعتمد سوريا على الجيو ـ سياسة بغية إعادة السيطرة على الحيّز اللبناني بطرق أخرى بعد انسحابها عام 2005 لذا نحن نعود الى المشكلة ذاتها». يضيف خليفة: «حتى لو اختلفت سوريا مع السعودية فلا يمكن الوقوف على الحياد، لأن كل دولة من الإثنتين تريد أن يكون لبنان تابعاً لها». حياد وتحييد إذن فكرة الحياد تجهض ذاتها بذاتها؟! عند هذا المفترق يبرز الدكتور نبيل خليفة التمييز بين مفهومين: الحياد Neutralité بمعنى أن الشعب وبعد طول معاناة يطلب تحييده عن الصراعات، كما حدث في سويسرا، والتحييد Neutralisation وهو أن يفرض على الدولة المعنية بأن تصبح محايدة، وذلك من قبل القوى العظمى والمؤسسات الدولية كما حدث للنمسا عام .1945 «حين وجدت هذه الدولة وسط كتلتين شرقية وغربية وكادت أن تكون فتيل حرب بين الإثنتين وتخلق صراعاً يهدد السلم العالمي فاتفقت الكتلتان على تحييدها». متى تحيّد الدولة؟ «تحيّد الدولة إذا كانت تشكّل خطراً على السّلم العالمي والأمن الدولي. «القرار الرقم 1773 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 24 آب عام 2007 ورد في متنه: «يقرر مجلس الأمن أن الوضع في لبنان يستمرّ في تشكيل تهديد للسلام والأمن الدوليين، إذن الحجة جاهزة لتحييد لبنان». من هي الدّول التي يجب أن تفرض تحييد لبنان؟ «إذا وصلت الدّول الى قناعة بأن الاقتتال على لبنان لن يوصلها الى اي من أهدافها، وبالتالي إذا تأكدت هذه الدول يوماً بعد يوم بأن الصراع في لبنان هو عميق وعنيف وقد يصبح أكثر خطورة، تدرك عندها أنه وضع يهدّد الأمن اللبناني أولاً والإقليمي ثانياً والدولي ثالثاً والسلام العالمي رابعاً. عندئذ وعلى ضوء ما تشكّله الحالة اللبنانية من تهديد للأمن وللسلام تعمد الدول الكبرى الى تحييد لبنان عبر مجلس الأمن الدولي». لكن الحياد قد يخرج لبنان من الصراع العربي الإسرائيلي وهذا ما لن ترضاه قوى داخلية كثيرة؟ يجيب خليفة: «نحن دولة عربية نلتزم بمواثيق الجامعة العربية وهنا تبرز مشكلة وحيدة تتمثل بميثاق الدفاع العربي، فإذا كانت ثمة رغبة عربية تحديداً في إراحة لبنان والعمل على نموّه وازدهاره واستقلاله وسيادته، فإننا نصرّ لا على أن تأتي الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وروسيا وتطلب تحييد لبنان بل أن يأتي هذا التحييد في حال إقراره مرتبطاً بالجامعة العربية التي لها كلمة أساسية في صياغة الوضعية الدولتية Etatique الجديدة للبنان المحيّد». يتابع الدكتور خليفة: «ليس الحياد وصفة جاهزة بل قوى داخلية ومؤسسات دوليّة ويجب أن تؤلّف لجنة مختصين كبار تصوغ نصّ تحييد لبنان آخذة بعين الاعتبار واقعه كدولة عربية ومدى التزاماته في النزاع العربي الإسرائيلي». يوضح: «بالنسبة إلى الصراع مع إسرائيل سيبقى لبنان حتى لو حيّد ملتزماً باتفاقية الهدنة وسيكون آخر دولة توقع مع إسرائيل»، ويستطرد خليفة: «بعض القوى سترفض فكرة الحياد، لأنها تريد لبنان ساحة للصراعات الإقليمية وليس مساحة للحرية، فإذا حيّد لبنان انقطع رزقها». بالنسبة الى الرأي الأميركي تجاه هذا الموضوع يقول الدكتور خليفة: «أميركا ليس لديها اليوم حافزاً لتحييد لبنان، لأن القبول بتحييده يخلق لها إشكالاً في موضوع حربها ضدّ الإرهاب، لأن لبنان اليوم هو جزء من جبهة الصراع ضدّ الإرهاب». [[[ تتعقّد مسألة الحياد أكثر عندما تطرح على الأفرقاء السياسيين اللبنانيين إذ سرعان ما تربط الأخيرة الحياد الجيو ـ سياسي للبنان بمسائل منها الهوية اللبنانية والخصوصية والسياسيات الأميركية والصراع مع إسرائيل والشراكة مع العالم العربي والحياد الثقافي وسواها من المسائل التي تحتاج الواحدة منها الى دراسة بأكملها. الكتائب: الحياد مستوحى من الميثاق همّ الشراكة مع المحيط العربي والانخراط في الصراع مع إسرائيل دفعا حزب الكتائب اللبنانية الى المناداة بـ «الحياد الإيجابي» ويعني «أن نقول: نعم نحن نلتزم سياسيا بقضايا العرب الاساسية، وبالتالي لا ننادي بالحياد السلبي»، كما يشرح النائب الثاني لرئيس حزب الكتائب والأستاذ الجامعي في القانون الدولي والعلوم السياسية في جامعة باريس وجامعات لبنانية الدكتور سليم الصايغ. كان هذا الإيضاح كافيا للحزب الشيوعي الذي صرّح أمينه العام خالد حدادة منذ فترة قائلا إن «شعار الحياد يفتح احتمال اندلاع الحرب الأهلية» وهو عاد وقال لـ«السفير»: «في التصريحات الأولى للرئيس أمين الجميل لم يتطرق الى الصراع مع إسرائيل لكنه عندما أضاف كلمة الإيجابي توضحت الفكرة. نحن نرفض الحياد الوسطي السلبي لأنه يؤدي الى حرب أهلية. نقبل بأن تبقى اتفاقية الهدنة مع تطويرها لتكون في أساس العلاقة مع العدو من دون تطبيع». ماذا يعني «الحياد الإيجابي» الذي ينادي به حزب الكتائب اللبنانية سياسيا؟ يقول الدكتور الصايغ: « اتخذنا هذا المنحى من روحية الميثاق الوطني الذي أقرّ بأن لبنان لا يتبع لا للشرق ولا للغرب ولا يكون مقرا أو ممرا للاستعمار وذلك في عام ,1943 هذا الميثاق يقول أيضا بأن لبنان هو مع العرب عندما يكونون مجتمعين وعلى الحياد عندما يكونون مختلفين. وبالتالي لا يمكن للبنان الدخول في المحاور العربية العربية لأنه نقطة وصل بين الشرق والغرب ويهمه أن يكون نقطة وصل مع العرب، لكن عندما يكون العرب منقسمين لا يمكنه أن يحمل وحده وزر القضايا العربية ومنها القضية الفلسطينية». يضيف: «تؤمن الكتائب بأنه من واجب لبنان أن يدعم القضية الفلسطينية ويساعد على إقامة دولة فلسطينية على أرض فلسطين، ونفهم أن مقاومتنا وصراعنا مع إسرائيل هما صراع متعدد الوجوه لا يشكل البعد العسكري أو الأمني إلا أحد هذه الأبعاد. يمارس لبنان المقاومة السياسية والحضارية والثقافية وخصوصا أن ليس له قضية احتلال أرض مع إسرائيل كما هي الحال مع سوريا اليوم»! الحياد الإيجابي بنظر الكتائب «يكمل عملية السيادة ويقطع إمكانية التشابك بين الصراعات الإقليمية والمصالح اللبنانية الداخلية، وكي يقوم هذا الحياد عليه أن يكون معترفا به من قبل اللبنانيين أولا ومن قبل جامعة الدول العربية والأمم المتحدة. ونحن نعتقد أنه حين يتفق اللبنانيون على هذه المسألة يسهل الاعتراف العربي والدولي في هذا الشأن». «حزب الله»: المقاومة تؤّمن الحياد ما يحكم وجهة النظر من الحياد بالنسبة الى «حزب الله» يتعلق بالعدوان الإسرائيلي «إنه قدر استراتيجي ألا يخرج لبنان من هذا الصراع بمفرده»، يقول نائب رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق الباحث عبد الحليم فضل الله. تحكم فكرة الحياد لدى الحزب فكرة الدفاع «لأن لبنان منذ عام 1982 لم يأخذ أي مبادرة هجومية ضدّ إسرائيل». يتقاطع «حزب الله» مع «تيار المستقبل» بالقول إنه «إذا كان المقصود بالحياد أن يكون لبنان ممسكا بقراره الداخلي والخارجي بلا تدخّل أيا كان وبما يحفظ خصوصية علاقته بالدول العربية فنحن مع الفكرة»، لكن فضل الله يضيف التحليل الخاص قائلا «أعتقد أن المقصود بفكرة الحياد المطروحة حاليا هو تحويل اتجاه السير من مكان الى آخر فلا يعود لبنان متفاعلا مع القضايا التي تشغل المنطقة العربية». يذهب بعيدا بتوظيف الفكرة سياسيا لصالح الجهة التي يمثّل وجهة نظرها: «إذا كان موضوع الحياد يعني أن لبنان محيّد عن أي مبادرات سياسية أو عسكرية أو أمنية لها علاقة بمصالحه الذاتية الخاصة فهذا ما تقوم به المقاومة». يعود فضل الله الى «النهضة الشيعية الحديثة» مع الإمام المغيب موسى الصدر مذكرا بأنها ارتكزت على أولوية الصراع مع إسرائيل. «دفع الجنوبيون ثمنا باهظا من الممارسات الفلسطينية قبل عام ,1982 لكن ذلك لم يؤثر على موقعهم في ضرورة الدفاع المشترك ضد العدوان فأطلقوا بعد أشهر قليلة انتفاضات القرى واستمرت المقاومة حتى الانسحاب الأول عام 1985 وصولا الى التحرير عام 2000» بحسب فضل الله. الرؤية العامة تجاه مسألة الحياد يجيب عنها فضل الله بسؤال: «هل يعاني لبنان اليوم من عدم حياده أم من السياسات الإسرائيلية الأميركية؟». يضيف: «لا يمكن للبنان أن يتخذ منفردا قرار الحياد لأن هذا القرار قد يتشكل ضمن 3 خيارات: الأول أن يتخذ لبنان بنفسه قرار الحياد وهو عاجز عن ذلك بسبب اختلال موازين القوى. الثاني أن يتكون نظام عربي قوي ومتماسك يضمن هذا الحياد، وهذا أمر غير موجود. الثالث أن تأتي قوة كبرى تضمن هذا الحياد على أن تكون محايدة تجاه قضايا المنطقة. وأي قوة تريد أن تأخذ مقابلا سياسيا لضمانها حياد لبنان وأي حياد سيصرف من رصيد السيادة اللبنانية». هل يعني الحياد الاستقالة من الصراعات العربية وماذا إذا فرضت الجامعة حياد لبنان باتفاق الدول العربية مجتمعة؟ يكرر فضل الله تأييد الحزب للتضامن العربي «المشكلة ليست مع الدول العربية بل مع تغير السياسات الأميركية في المنطقة عقب وصول إدارة الرئيس جورج بوش الذي راهن على التغيير بما يحفظ المصالح الأميركية ويؤدي في الوقت ذاته الى اهتزازات تؤثر على السلوك السياسي للعديد من الدول. ـ الخلافات العربية العربية هي عوارض للمشروع الأميركي في المنطقة الذي يجند دولا لصالحه. لا يمكن أن نكون خارج مواثيق جامعة الدول العربية وخارج القضايا التي تهم العالم العربي تحديدا، وإلا فيكون الحياد غطاء لانحياز آخر يراد للبنان أن يكون فيه مواليا للسياسات الأميركية في المنطقة». لكن لبنان دولة عازلة فلمَ يريده «حزب الله» ساحة للحروب؟ يجيب فضل الله: «علاقة المقاومة اللبنانية بسوريا والدعم السياسي من إيران ليس بالأمر الجديد، وهذا صبّ في مصلحة المقاومة اللبنانية وساعد اللبنانيين على تحرير أرضهم. المتغيّر اليوم لا يتمثل بالدعم السياسي للمقاومة بل بمدّ النفوذ الأميركي الى المنطقة. ليس لبنان ساحة اليوم، والدليل أنه على الرغم من التطورات لم تستخدم الأراضي اللبنانية منذ الانسحاب الإسرائيلي منصة للهجوم على إسرائيل أو لاستهداف المصالح الأميركية. المقاومة مشروعها دفاعي وهي لم تقم بأي مبادرة هجومية». وسلاح «حزب الله»؟ «يندرج بالنسبة إلينا في الصيغة المتاحة والفعالة للدفاع عن لبنان في ظل النيات الإسرائيلية المبيتة». «المستقبل»: الحياد في التكامل العربي التكامل الاقتصادي والسياسي والسوق العربية المشتركة شعار رفعه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولا يزال «تيار المستقبل» متمسكا به. يرى مستشار الحريري سابقا والباحث محمد كشلي أن «حقيقة الأزمات في لبنان تتمثل بارتباط أيديولوجية القوى السياسية الطائفية منذ زمن بالخارج عضويا، أي أن القرار لم يكن يوما في أيدي اللبنانيين». يسوق الكاتب الذي انضوى في الحرب ضمن المثقفين الداعمين للحركة الوطنية مثلا لافتا باعترافه بأن:«الحركة الوطنية اللبنانية لم يكن لها قرار وطني مستقل وهي اتبعت قرارات الثورة الفلسطينية في لبنان». لكنه بدوره يسقط مراجعته النقدية على الواقع: «ارتباط المقاومة اليوم بمصالح الدولة الإيرانية بصفتها مرجعية سياسية ودينية يحوّل لبنان من دولة الى ساحة». يكمن أساس المشكلة في وجود قابلية في لبنان للارتباط بالخارج، بحسب ما يرى كشلي، معتبرا أن دروس الماضي تتكرر اليوم. وعوضا عن البقاء في إطار السجالات الداخلية من الأجدى أن يعترف كلّ طرف بأخطائه وبحقيقة ممارساته منذ الحرب ولغاية اليوم». في إطار المراجعة النقدية التي كان كشلي من أوائل من نادى بها بعد الحرب يسوق أمثلة عدّة: «عندما كانت المقاومة الفلسطينية في الحرب تسمّى «جيش السنّة» تسلحت الكتائب كردّ فعل على الوجود الفلسطيني في لبنان، وهكذا بدأت الحرب الأهلية. القوى المسيحية بدورها طالبت عام 1976 بالتدخّل السوري مستعينة به كردّ فعل على ما تتعرض له من الداخل وبدعم إسرائيل في مرحلة لاحقة». يوضح كشلي: «أنا لا أقصد دراسة التجربة. إنها أفكار متفرقة أطرحها لأننا اليوم نعاني من أزمة من النوع ذاته الذي عانيناه في الحرب السابقة، أي ارتباط المقاومة بمصالح الدولة الإيرانية بصفتها مرجعية سياسية ودينية والقرار بيدها بأكمله على الساحة اللبنانية، بينما لأوّل مرّة وخصوصا بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري «تلبننت» الطوائف الأخرى واعتدلت المارونية القديمة. أصبحت الطوائف الأخرى تؤمن بأن وحدة لبنان الوطنية هي في أساس تحديد مصلحته الوطنية، هذا لا يمنع اتفاق لبنان مع اي دولة تتفق بدورها مع المصلحة اللبنانية (...)». لكن المقاومة التي يمثلها اليوم «حزب الله» هي بنظره تحقق مصلحة لبنان؟ يجيب: «بحسب المراحل التي مرّت بها المقاومة. قرار تكوين المقاومة جاء إيرانيا من الحرس الثوري وكان آنذاك يتوافق مع المصلحة الوطنية بسبب الاحتلال. كنا نؤيد هذه المقاومة باستمرار على الرغم من معرفتنا بأن المصالح الإيرانية السورية هي أبعد من قضية احتلال إسرائيل واعتبارها المقاومة ورقة تفاوضية. اليوم لا تحقق المقاومة المصالحة الوطنية مما بات يتطلّب إنهاء دورها». يوضح: «ما يحدث اليوم نتيجة هذه المقاومة هو نشوء دويلة «حزب الله» التابعة لإيران، وهذا ليس كلامي بل كلام المؤلف الإيراني الدكتور مسعود أسدالهي في أطروحة الدكتوراه المنشورة في كتاب عنوانه «الإسلاميون في مجتمع تعددي»، بحيث يقول حرفيا: «وضع «حزب الله» أكبر من دويلة وأصغر من دولة». وما الحل الذي يراه؟ «لا نريد الحياد بل نريد حل هذه الأزمة التي وصّفتها ليكون للبنان دوره الفاعل وأن يكون عاصمة التكامل الاقتصادي والسياسي العربي». ماذا عن العلاقة الوطيدة مع المملكة العربية السعودية والاتهام الموجه لتيار المستقبل بانضوائه في المشروع الأميركي في المنطقة؟ يقول كشلي: «إن هذه التهم أو ما يسمى بالارتباط بمشروع آخر ليس صحيحا أولا. نحن من نحدد ماهية المصلحة الوطنية والسيادة ولبنان أولا بذاتنا، وإذا وجدت أطراف دولية وعربية تؤيد ذلك فلا تضارب معها وسنستعين عندها بدولة عربية معتدلة تسعى لتؤيد المصلحة الوطنية اللبنانية».
___________________________________
|
dimanche 23 mars 2014
Safir (16-04-2008)
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire